حسن الأمين
225
مستدركات أعيان الشيعة
واجلس على تربتي ومعك المطرب والشراب حتى أهب من لحدي ، طمعا فيك ، راقصا على نغماتك . . . ! ! ثم قسم . . . أيها الصنم الجميل ! وأرني قدك وخفة حركاتك فإنني عند ذلك أهب راغبا في الحياة ، مصفقا لبهائك . . . ! ! فان كنت شيخا . . . فضمني ليلة إلى صدرك ، وضيق علي العناق . فإنني في وقت السحر . . . أهب غض الإهاب ، جم الشباب من ضماتك ثم امنحني مهلة . . . لكي أراك فيها يوم الممات والرحيل فقد أستطيع ك « حافظ » ان أهب راغبا في الحياة للقائك . . . ! ! ليس هنالك صوفي تحدث عن الاتحاد بالعاشق المعشوق الإلهي بمثل هذا الصدق وهذه البلاغة . إلى الآن كان الحديث يدور حول حافظ شاعر الأمراء . أما إذا أردنا أن نوضح العلاقة بين أحوال حياته ومعيشته وبين تاريخ شيراز في آخر عهد لها من الأمجاد في العصور الوسطى فلا بد لنا أن نقول بان حقيقة عظمة حافظ هي في عبادته الصوفية للجمال ، التي ألهمته في جميع ما كتب . وما علينا الآن الا أن ندرس أولا خلقه للجمال في ما هو خارج عما تحت ارادته : اي اللغة الفارسية ، والأوزان والقوافي والصور البيانية في الشعر الفارسي . كان حافظ في هذه الأمور مدينا جدا لأسلافه ولابن بلدته سعدي ، فقد سوغ وثقف ، أكثر من أي شخص غيره ، كلا اللغة والأسلوب الشعري ، ولكن عبقريته جعلته لا يكتفي باتباع هذا المثال بل فاق عليه ، فمفرداته غنية متنوعة ، وهو يحسن الموازنة بين لغة الشعب واللغة العلمية ، ويتجنب استعمال تلك التعابير الحوشية الثقيلة التي كانت تثقل أبيات شعراء المدح المحترفين في القرون السابقة ، حتى اننا نستطيع أن نقول بحق بان ما كتبه إنما يفهمه الناس جميعا ، فهو يستعمل مختلف الصناعات الأدبية التي أذعنت لها اللغة إذعانا طيعا ، ولكنه يتجنب الإفراط وما ينتج عنه من ملل وغموض . وقد أحسن التعبير عن هذه النقطة ميرزا محمد قزويني بما سماه « الشعر من الدرجة الأولى ، في الفارسية » . قال : « يتالف الشعر ، كما هو معروف ، من عنصرين اثنين هما المبنى والمعنى . والشاعر الحق والناظم المجيد كلاهما يحافظان على التوازن الدقيق بين هذين العاملين ، اي المبنى والمعنى . وهما لا يفرطان ولا يقصران باي منهما . فهما لا يبالغان بتجميل المبنى وتنميق التعابير وذلك بان يستعملا الصناعات اللفظية المتانقة ، كالتلاعب على الألفاظ والكناية وشبه الكناية والمقابلة والترديد والجناس وتغيير النقاط ونظم القصائد التي تؤلف الحروف الأولى من أبياتها كلاما مفيدا ، واسناد الأجزاء بعضها إلى بعض ، ولزوم ما لا يلزم ، واستعمال الحروف المنقوطة وغير المنقوطة ، والمتصلة وغير المتصلة ، وما إلى ذلك من فنون هي أشبه ما تكون بألاعيب الأولاد مما هي بأصول بليغ النثر والشعر التي يتقيد بها الرجال الجادون . هذا والشاعر الحق لا يهتم بتجميل المعاني فينشغل بالأخيلة المنسوجة نسجا أنيقا وبالأفكار المتضمنة والتشابيه الغارقة في الإبهام والاستشهادات الغامضة التي من شأنها تعقيد اللغة وإبهام المقصد مما يضطر السامع إلى أن يجد في التفكير ليدرك ما يقصده الشاعر . وهذا ما يتميز به مثلا الشعراء » الهنود « . والشاعر الحق لا يبالغ باستعمال الفنون البيانية كالمقابلة والمعادلة والتورية والإبهام والاستدراك والتظاهر والتلميح والوصل والقطع وما شابه ذلك ، إلى حد إرهاق عبارته وإتعاب السامع . انه من الواضح طبعا ان اجادة استعمال فن من هذه الفنون ، إما وحده وإما مع فن آخر أو فنين ، ليزيد من بلاغة الأسلوب . ولكن ما أن تتكاثر هذه الفنون وما أن يزدحم عدد منها في بيت واحد أو يتقارب بعضها من بعض حتى يتالف شكل في غاية من التصنع هو ، في الحقيقة ، إهانة لفن الشعر ذاته ، ولا ينتج عنه الا ملل السامعين وارهاقهم » . وبعد أن يعرض القزويني جميع شعراء الدرجة الأولى من الفرس يصل إلى النتيجة التالية : « ان من تحتوي قصائده وتتضمن كل ما يمكن أن يوجد في الشعر من جمال ، سواء أكان في اللغة أم في المعنى ، وكل صفة من صفات الخيال أو الواقع التي توجد في الكلام الجميل ، وهو ، في الوقت ذاته ، أبلغ من كتبوا وأشدهم ايقاعا في كل العصور بما فيها العصور القديمة والحديثة على السواء ، ان هذا الرجل ، الذي ، إذا قيس بكواكب الشعر من الطبقة الأولى ، كان شمسا مشرقة ، هو ، بدون أي استثناء وبدون أي شك أو تردد ، الخواجا شمس الحق والملة والدين محمد حافظ الشيرازي ، قدس الله روحه العظيمة » ! كان حافظ إذا صانعا عظيما للكلمات والصور . وهذه هي المواد الأولية التي يتالف منها عمليا الشعر الصافي . ولكن الكلام في الواقع ، على ضرورته في خلق الشعر العظيم ، لا يكفي وحده بطبيعة الحال لخلق أعظم الشعر . لم يكن حافظ مجرد صانع ماهر يعمل بحذق لاختراع الأشكال المعجبة ، فإعطاء هذه الأشكال معاني خالدة يتطلب فلسفة لا تقل رقيا ، ويتطلب رؤى شاعر ورسالة شاعر خليقة بالاستكشاف في أي زمان وحرية بالقبول في أي مكان . وإذا كان حافظ يتحدث إلينا بهذه النضارة وبهذا الإيحاء ، في القرن العشرين ، كما كان يتحدث إلى الشعب الفارسي في تلك الأزمات الشديدة التي مرت بها حضارته في العصور الوسطى ، فلأن روحه ارتفعت صعدا فوق الفساد المادي الذي أصيب به ذلك الزمان وكل زمان ، ولأنه وجد في عبادة الجمال الخالص الطريق الوحيد لفهم اللاعقلانية المتجلية في مصير البشر . ولنردد ما قاله رضا زاده شفق : « بالإضافة إلى الحساسية والشعور الحاد اللذين يضيئان من شعر الخواجا يعجب المرء كيف أن هذا الشاعر المتحرر في طبعه استطاع أن يحافظ على قوة خياله الشعرية وجديته في وجه الحوادث الدامية التي مني بها الزمان الذي عاش فيه . فقد كانت بلاد فارس جمعاء تتمحض بالثورة والعدوان ، ولا يستثنى إقليم فارس ولا شيراز ذاتها من هذه المعركة . فقد شاهد حافظ بأم عينه قتل الملوك وتدمير البيوت وحروب المغتصبين ، كما شاهد حتى الخصام بين بني المظفر ذاتهم . غير أنه كان ، على ما يبدو ، ينظر إلى هذه الحوادث بجلال روحي كأنها أمواج صغيرة في البحر المحيط . كان نظره مركزا على وحدة أوقيانوس الطبيعة ، على معنى الكون وغايته . صحيح أن فكره كان يثور من حين إلى آخر ، فتستبد به العاطفة ويقول : ما هذه الفوضى التي أراها في الجو المتقلب ؟ أرى كل الآفاق مدلهمة بالثورة والعدوان . ولكنه كان دائما يعود إلى رصانته العقلية فيسعى إلى طمأنينة القلب في عالم يضطرب تحت أفكاره الواسعة السماوية . أما نحن ، أولئك الذين نعيش في أزمة من الحضارة لا تقل يأسا ، وفي أيام يبدو فيها أن كثيرا من الشعراء والفنانين والموسيقيين المحدثين قد اتخذوا تاليه الفوضى والقبح دينا لهم ، فيحسن بنا أن نتأمل قضية حافظ هذه المعجبة . ذلك الشاعر الذي ظل مؤمنا بالجمال ، في عالم تستوطنه الفوضى والقبح . يعبد الجمال ويخلق الجمال ويبقي الجمال على قيد الحياة يؤاسي به ويلهم رفاقه ضحايا الظروف المحتمة ، دائم النظر يشع فيضيء أنفسنا والأجيال القادمة على السواء . والآن فلنردد قصيدة أخرى من تلك القصائد الكثيرة التي تتحدث عن ايمانه الراسخ بالنظام الإلهي والتي تقدم لنا حله للغز أسر الروح الخالدة ضمن حدود الزمان والمكان . هنا نرى أبياتا يتأمل فيها حافظ بما في الإسلام من سر عظيم تجلى باستشهاد الحلاج ذلك الولي المتصوف :